الشريف المرتضى
471
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
والجواب الثالث : أن يكون المعنى : ومثل الذين كفروا ومثلنا ، أو مثلهم ومثلك يا محمد كمثل الذي ينعق ؛ أي مثلهم في الإعراض ومثلك في الدعاء والتنبيه والإرشاد كمثل الناعق بالغنم ، فحذف المثل الثاني اكتفاء بالأول ؛ ومثله قوله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ « 1 » ، أراد الحرّ والبرد ، فاكتفى بذكر الحرّ من البرد ، وقال أبو ذؤيب : عصيت إليها القلب إني لأمرها * مطيع فما أدري أرشد طلابها « 2 » أراد أرشد أم غيّ ، فاكتفي بذكر الرشد لوضوح الأمر . والجواب الرابع : أن يكون المراد : ومثل الذين كفروا في دعائهم للأصنام التي يعبدونها من دون اللّه وهي لا تعقل ولا تفهم ، ولا تضرّ ولا تنفع كمثل الذي ينعق دعاء ونداء بما لا يسمع صوته جملة ، والدعاء والنداء ينتصبان على هذا الجواب ب « ينعق » ، وإلّا توكيد للكلام ؛ ومعناها الإلغاء ؛ قال الفرزدق : هم القوم إلّا حيث سلّوا سيوفهم * وضحّوا بلحم من محلّ ومحرم « 3 » والمعنى : هم القوم حيث سلّوا سيوفهم . والجواب الخامس : أن يكون المعنى : ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام وعبادتهم لها واسترزاقهم إيّاها كمثل الرّاعي الذي ينعق بالغنم ويناديها ؛ فهي تسمع دعاءه ونداءه ولا تفهم معنى كلامه ، فشبّه من يدعوه الكفّار من المعبودات دون اللّه جلّ اسمه بالغنم ، من حيث لا تعقل الخطاب ولا تفهمه ، ولا نفع عندها فيه ولا مضرّة . وهذا الجواب يقارب الذي قبله ، وإن كانت بينهما مزيّة ظاهرة ؛ لأنّ الأوّل يقتضي ضرب المثل بما لا يسمع الدعاء ، ولا النداء جملة ، ويجب أن يكون
--> ( 1 ) سورة النحل ، الآية : 81 . ( 2 ) ديوان الهذليين : 71 / 1 ؛ والرواية فيه : عصاني إليها القلب إنّى لأمره * سميع فما أدري أرشد طلابها ( 3 ) ديوانه : 2 / 760 . ونظير هذا في مورد « إلّا » للتوكيد دون الاستثناء قولهم « أسألك إلّا غفرت لي » .